علي بن محمد البغدادي الماوردي

100

أدب الدنيا والدين

وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 1 » . وجعل ما كلفهم به ثلاثة أقسام قسما أمرهم باعتقاده « 2 » وقسما أمرهم بفعله وقسما أمرهم بالكف عنه ليكون اختلاف جهات التكليف أبعث على قبوله وأعون على فعله حكمة منه ولطفا وجعل ما أمرهم باعتقاده قسمين قسما إثباتا وقسما نفيا . فأما الاثبات فإثبات توحيده وصفاته وإثبات بعثته رسله وتصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به وأما النفي فنفي الصاحبة والولد والحاجة والقبائح أجمع وهذان « 3 » القسمان أوّل ما كلفه العاقل . وجعل ما أمرهم « 4 » بفعله ثلاثة أقسام : قسما على أبدانهم كالصلاة والصيام وقسما في أموالهم كالزكاة والكفارة وقسما على أبدانهم وفي أموالهم كالحج والجهاد ليسهل عليهم فعله ويخفف عنهم أداؤه نظرا منه تعالى لهم وتفضلا منه عليهم . وجعل ما أمرهم بالكف عنه ثلاثة أقسام : قسما لإحياء نفوسهم وصلاح أبدانهم كنهيه عن القتل وأكل الخبائث وشرب الخمور المؤدّية إلى فساد العقل وزواله وقسما لائتلافهم وإصلاح ذات « 5 » بينهم كنهيه عن الغضب والغلبة « 6 » والظلم « 7 » والسرف « 8 » المفضي إلى القطيعة والبغضاء وقسما لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم كنهيه عن الزنا ونكاح ذوات المحارم فكانت نعمته فيما حظره علينا كنعمته فيما أباحه لنا ونفضله فيما كفنا عنه كتفضله فيما أمرنا به . فهل يجد العاقل في رويته « 9 » مساغا أن يقصر فيما أمر به وهو نعمة عليه أو يرى فسحة « 10 » في ارتكاب ما نهى عنه

--> ( 1 ) من حرج : أي ضيق . ( 2 ) باعتقاده : والاعتقاد عبارة عن الحكم القطعي الجازم المطابق للواقع . ( 3 ) وهذان القسمان : أي الاثبات والنفي . ( 4 ) وجعل ما أمرهم بفعله : وهو القسم الثاني من التكليف . ( 5 ) ذات بينهم : وذات البين : حقيقة الوصلة أو الحال التي بها يجتمع المسلمون . عبر عن الحال التي في البين بذات البين لملابسة تلك الحال وملازمته له ، كما يعبر عن مضرات القلب بذات الصدور . ( 6 ) والغلبة : أي القهر . ( 7 ) والظلم : هو وضع الشيء في غير موضعه ، وفي الشريعة : عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل ، وهو الجور ، وقيل : هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد . ( 8 ) والسرف : وهو إنفاق المال الكثير في غير محله . ( 9 ) في رويته : أي في فكره . ( 10 ) فسحة : مثل وسعة ، لفظا ومعنى ، أي رخصة وإذنا .